ابن قيم الجوزية
262
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
خبرت من وبال معصيتك ما لم أكن أتعرض لسخطك ثانيا ويقول للذي تلكأ ما حملك على ما صنعت ؟ فيقول حسن ظني بك حين أخرجتني منها أن لا تردني إليها فيرحمهما جميعا ويأمر بهما إلى الجنة » ( الوجه الثاني عشر ) أن النعيم والثواب من مقتضى رحمته ومغفرته وبره وكرمه ولذلك يضيف ذلك إلى نفسه وأما العذاب والعقوبة فإنما هو من مخلوقاته ، ولذلك لا يسمى بالمعاقب والمعذب بل يفرق بينهما فيجعل ذلك من أوصافه وهذا من مفعولاته حتى في الآية الواحدة كقوله تعالى : نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ وقال تعالى اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ، وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقال تعالى إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ومثلها في آخر الأنعام ، فما كان من مقتضى أسمائه وصفاته فإنه يدوم بدوامها ولا سيما إذا كان محبوبا له وهو غاية مطلوبة في نفسها وأما الشر الذي هو العذاب فلا يدخل في أسمائه وصفاته وإن دخل في مفعولاته لحكمة إذا حصلت زال وفنى بخلاف الخير فإنه سبحانه دائم المعروف لا ينقطع معروفه أبدا وهو قديم الإحسان أبدي الإحسان فلم يزل ولا يزال محسنا على الدوام وليس من موجب أسمائه وصفاته أنه لا يزال معاقبا على الدوام غضبان على الدوام منتقما على الدوام ، فتأمل هذا الوجه تأمل فقيه في باب أسماء اللّه وصفاته يفتح لك بابا من أبواب معرفته ومحبته ( يوضحه الوجه الثالث عشر ) وهو قول أعلم خلقه به ، وأعرفهم بأسمائه وصفاته ( والشر ليس إليك ) ولم يقف على المعنى المقصود من قال الشر لا يتقرب به إليك بل الشر لا يضاف إليه سبحانه بوجه لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ولا في أسمائه فإن ذاته لها الكمال المطلق من جميع الوجوه ، وصفاته كلها صفات كمال يحمد عليها ويثنى عليه بها وأفعاله كلها خير ورحمة وعدل وحكمة لا شر فيها بوجه ما ، وأسماؤه كلها حسنى فكيف يضاف الشر إليه بل الشر في مفعولاته ومخلوقاته وهو منفصل عنه إذ فعله غير مفعوله ففعله خير كله وأما المخلوق المفعول ففيه الخير والشر ، وإذا كان الشر مخلوقا منفصلا غير قائم بالرب سبحانه فهو لا يضاف إليه وهو صلى اللّه عليه وسلم لم يقل أنت لا تخلق الشر حتى يطلب تأويل قوله وإنما نفى إضافته إليه وصفا وفعلا وأسماء * وإذا عرف هذا فالشر ليس إلا الذنوب وموجباتها وأما الخير فهو الإيمان والطاعات وموجباتها والإيمان والطاعات متعلقة به سبحانه ولأجلها خلق خلقه وأرسل رسله وأنزل كتبه ، وهي ثناء على الرب